الطريقة المثلى لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها
أعـد البحث: الدكتور/ محي الدين الألوائي
المـدرس بشعبة تعليم اللغة العربية
بالجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
حقيقة اللغة:
إن اللغة نعمة الله العظمى، وميزة الإنسان الكبرى، ولها قيمتها في جميع مجالات الحياة البشرية، وهي الخاصية التي تميز بها الإنسان عن سائر الحيوان، ولو أن البعض قد عدها وسيلة فإنها في الحقيقة غاية تدرس لذاتها بمناهجها وقواعدها لأنها وعاء الأفكار بل هي جزء منها وربطت بين الفكر والعمل، ومن عناصرها: التفكير والصوت، والتعبير عن الفكر الداخلي والعمل الخارجي، وبفضل هذه النعمة قد أصبح الإنسان كائنا مثاليا على وجه الأرض.
فاللغة بمفهومها الحقيقي من خصائص الإنسان، ولكنا نقرأ ونسمع عن لغات كثيرة لمخلوقات أخرى مثل:
لغات النمل والطيور والحيوان والأسماك وغيرها، وجاء في القرآن الكريم إشارة لبعض هذه اللغات، حيث حكى عن نملة سليمان عليه السلام: {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا…} وقوله تعالى عن الهدهد وسليمان: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ}.
وهذا يدل على أن لمخلوقات الله الأخرى لغات تتخاطب بها، ولكنها تختلف عن لغات البشر وأن لغة الإنسان مقرونة بالفكر في إصدار الأصوات وتلقيها ويحكمها العقل وينظم عملياتها ولا يجـعلها أصواتا خالية من المعنى، والنظام هو الذي يمنحها الثراء والفاعلية والتعبير عن الأهداف السامية والذهنية المجردة، ويتطور أمرها بتطوير نضج الإنسان، ونضج عقله وترقي فكره، واللغة بهذا المعنى من خصائص الإنسان وحده دون سائر المخلوقات الأرضية الحية الأخرى، وما أعظم منة من الله على الإنسان حيث يقول: {لرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الأِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}.
إن للغة البشر مقدرة على الإبداع والإمتاع والابتكار، والمقاطع التي ننطقها هي تأثيرات صوتية طبيعية تستقبلها الآذان لكنها مرتبطة بأعضاء النطق فلا نستطيع أن نعرف حركات الأعضاء النطقية إذا صرفنا النظر عن التأثير الصوتي، والصوت - إذن- أداة للتفكر، وإن للغة في كل لحظة نظاما ثابتا وحركة متطورة، ولها في مجموعها أشكال كثيرة متضاربة لأنها في مجالاتها المتعددة: مادية وعضوية ونفسانية، وكما أن اللغة - بصفتها المذكورة - من خصائص الإنسان فإنها غاية منشودة في حياته الفردية والاجتماعية.
مكانة اللغة العربية:
إن اللغة العربية هي من أقدم اللغات وأغناها على الإطلاق، ولأسرار وحكم يعلمها خالق البشر والقوى، اختار هذه اللغة وعاء لكتابه الخالد، كما أشار إليه قوله: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}، (الشعراء : 192-193)، وكانت اللغة العربية قد بلغت قبل البعثة المحمدية أوج كمالها في التعبير البليغ السامي عن جميع مقومات الحياة، وأوج مجدها في الفصاحة والنتاج الأدبي شعرا ونثرا، وظهرت روائـع إنتاجها في الأشعار والأمثال والقصص.
ومع نزول القرآن في هذه اللغة ارتفع شأنها وأصبحت اللغة السائدة في بلاد العرب والمسلمين، وإن للغة العربية فضلا كبيرا على نشر حضارة الفكر العربي الإسلامي، وتقدم العلوم والفنون والآداب المخـتلفة، ولأجل القرآن ظهرت علوم القرآن كلّها كما ظهرت علوم اللغة والنحو والصرف، والبلاغة التي كانت أساسا لتفسير نصوص القرآن وفهمها، ومن أجله أيضا ظهرت علوم منهجية مثل علوم التاريخ والأخبار والأسانيد وغيرها، كما تقدمت - تطبيقا لتعاليم القرآن - علوم كـثيرة مثل الرحلات والجغرافيا والسير، واستحدثت علوم الطب والكيمياء والاجتماع وعلوم أخرى تابعة لدراسة القرآن، مثل التجويد والتلاوة إلى جانب علوم عديدة إسلامية.
و يتضح من هذا كله مدى طاقة اللغة العربية لما تمتاز به من قوة بيانها وأصالة ألفاظها وأصواتها وموسيقى كـلماتها ووفرة معانيها، ولماّ كانت العلوم الإسلامية كلها تقوم على المبادئ القرآنية والسنة النبوية فيجب اغترافها من مناهلها الفياضة الأصلية ألا وهي نصوص القرآن والحديث النبوي فلا يتحقق هذا الهدف المنشود إلا عن طريق اللغة العربية التي هي وعاءهما الأصلي، وإذا رجعنا إلى نصوص القرآن وجدنا أن اللغة العربية هي مركز الانطلاق إلى حظيرة القرآن إذ جاء فيه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، و{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} و{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}.
وإن دراسة القرآن والحديث تحتاج إلى اللغة العربية لما فيها من معان سامية ومفاهيم أصيلة، وإذا قدمت معاني القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية مترجمة إلى اللغات الأجنبية فتعوزها روح الأصالة وروعة النصوص التي ينوط بها إعجاز القرآن وكذلك غزارة المعاني التي تمتاز بها اللغة العربية، ومن ماحية أخرى إن نشر اللغة العربية بين الشعوب الإسلامية في مقدمة الوسائل الفعالة التى تساعد على إيجاد التقارب الفكري بين الأمة الإسلامية لأنها تحمل في طياتها القيم الروحية التي يمنحها الإسلام لكل مسلم كما تكمن فيها روح الألفة والمودة والأخوة التي تربط بين قلوب المسلمين برباط وثيق، ومنح الله سبحانه وتعالى للمسلمين هذه اللغة لتحقيق التفاهم والترابط بينهم في أنحاء الأرض، بحيث يسعى كل مسلم لأن يقرأها ويفهمها بل ويتحدث بها، وإنها أيضا الوسيلة الأولى لنشر الدعوة الإسلامية.
ومن هنا يمكن أن نقول إن اللغة العربية تربط بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها برباط فكري ولفظي، لأن القرآن ليس مجرد مبادئ وتعاليم منعزلة عن الظاهر اللفظي وأن إعجاز القرآن منوط باللغة العربية، وإن اللغة العربية بطاقتها وتـراثها لجديرة بأن تكون وسيلة للتفاهم بين الشعوب المسلمة في كل مكان وعونا على المحافظة على الوحدة الفكرية والمظهرية بين أفرادها وجماعاتها، وأن الوحدة الفكرية بين المسلمين تعلب دورا هاما في هذه المرحلة الحرجة الخطيرة التي يمر بها العالم العربي والإسلامي.
ويمكن تلخيص أهمية نشر اللغة العربية في البلدان الآسيوية والأفريقية والأوربية والأمريكية في النقاط التالية:
1- إن هناك خطة خفية لنشر الفرقة بين المسلمين بالانتزاع من أيديهم حبل اللغة العربية الذي يعتصمون به جميعا، فحينئذ يسهل تشويه تعاليم الإسلام بين من لا يعرفون اللغة العربية، عن طريق كتب ومنشورات ومطبوعات عن الإسلام بغير اللغة العربية يراد بها القضاء على الإسلام معنويا بتشويه تعاليمه وبثّ السموم الفكرية بين أتباعه.
2- إن اللغة العربية تعلب دورا هاما وفعالا في مواجهة التحديات المعاصرة لأن انتشارها بين المسلمين المنتشرين في أنحاء العالم يساعدهم على تفهم دينهم والتمسك بطاقتهم الروحية.
3- إنها تساعدهم على استعمالها في التفاهم المتبادل فيما بينهم حتى يتيسر إيجاد تجاوب مشترك يمكنهم من مقاومة التخريب الفكري الذي تمارسه الجهات المغرضة لتشويه تعاليم الإسلام الحقة وتقطيع ذلك الرباط الذي يربط بين أبناء الأمة الإسلامية برباط فكري وروحي.
4- إن اللغة العربية هي وعاء القرآن الكريم ومركز الانطلاق إلى حظيرة القرآن والمنبع الأصلي للعلوم الإسلامية كلها كما أنها تساعد على توطيد ركن التعارف وتوثيق عرى التفاهم بين أبناء العالم العربي الناهض وبين أبناء البلدان الإسلامية غير الناطقة بها.
وجوب اختيار اللغة الفصحى في التعليم:
يجب اخـتيار اللغة الفصحى منطلقا لتعليم العربية لغير العرب لعدة أسباب علمية وعملية ومنهجية، وفيما يلي مجموعة من هذه الأسباب.
أولا: إن العامية تختلف من بلد إلى بلد بل ومن منطقة إلى منطقة في كل قطر عربي، وإنما هي صورة أو صور من الكلام تحمل في ثناياها فوارق عديدة واختلافات شتى، سواء في الحروف أو النطق أو التراكيب الكلامية بحيث تخلو من خاصة الوحدة اللغوية التي تمثل العرب من حيث المجموع كأمة واحدة، ومن هنا تعجز هذه العاميات عن سدّ حاجات المتعلمين الأجانب في الإطار العربي العام، وتظهر هذه النتيجة واضحة حينما ينتقل المتعلم الأجنبي من بلد عربي إلى آخر بل ومن منطقة إلى أخرى في دولة عربية واحدة.
وثانيا: إن الفصحى هي التي تلبي أغراض المتعلمين الأجانب وتوفي بحاجاتهم على المدى البعيد والنطاق الواسع بحيث لا يصعب عليهم الاستماع إلى أي عربي وفي أي بلد والتفاهم معه في صورة موحدة أو شبه موحدة، ولا يتعبون في فهم العاميات المختلفة ذات السمات المحلية الخاصة ببلد عربي دون آخر، وأما الفروق الصوتية والاختلافات في نطق بعض الحروف فيستطيع المتعلم الأجنبي المتمكن في اللغة العربية الفصحى العامة أن يدرك تلك الفروق بمجرد أن يستمع إلى الكلمة أو الجملة منطوقة في إطار القواعد العامة، وأما العاميات فيحتاج الدارسون الأجانب لفهمها إلى أن يتعرفوا على المفردات والتراكيب المختلفة مع تحديد بيئة وبلد كل منها.
وثالثا: إن اختيار العامية أو اللهجات المختلفة لتعليم العربية لغير الناطقين بها يضعنا أمام مشكلة كبرى عملية، إذ إن العاميات واللهجات ذات صور متعددة في الوطن العربي كإطار عام، فأي عامية أو لهجة نختارها للتعليم العام؟ فمثلا: هل العامية المصرية؟ أو الجزائرية؟ أو العراقية؟ وما إلى ذلك، وهذه التساؤلات تدل على صعوبة أو استحالة هذه المهمة، ولو اخترنا نظام تقديم بعض اللهجات العامية إلى جانب الفصحى أو الفصحى لمجموعة والعامية لأخرى فإن المنهج يؤدي إلى اضطراب في العملية التعليمية، وعرقلة لاستمرار الوحدة المنهجية للتعليم في مراحله المختلفة، ولو اخترنا عامية لسبب من الأسباب أو نظرا لظروف خاصة لمجموعة من المتعلمين فتكون فائدتها مقصورة على فترات زمنية محدودة وعلى بيئات عربية ضيقة وعلى حالات معينة، ولا يحقق هدفهم العام بعيد المدى من تعلم اللغة العربية.
ورابعا: عرفنا أن اللغة العربية الفصحى هي الوعاء الحقيقي للقرآن والسنة والعلوم الإسلامية ، فإن الدارسين للغة العربية من أجل فهم القرآن والعلوم الإسلامية ليواجهون مشكلات أساسية كبرى وعديدة لو قدمنا إليهم اللهجات العامية أو الخليط منها ومن الفصحى، وجدير بالذكر أن الفصحى مازالت - ولا تزال - منهل العلوم والفنون والآداب على رغم الجهود الفاشلة لبعض الأشخاص المغرضين أو الجهات المغرضة لنشر العامية كتابة وقراءة، والواقـع أن اللغة العربية الفصحى ما تزال - بفضل القرآن الكريم والعلوم الإسلامية والأدب العربي والإسلامي الرائع المدون في أمهات الكتب باللغة الفصحى القديمة والمعاصرة تنتظم مجموعة الأساسية للغة العربية فجميع قواعدها ثابتة ومحدودة بحيث يسهل فهمها وتناولها والتعايش مع التدريبات اللغوية وفقا لقواعد الإعراب وقوانين نظم الكلام وأحكام الصياغة والتصريف وغيرها.
وخامسا: إن في اختيار الفصحى منطلقا لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها خدمة عظيمة للإسلام والمسلمين فإن الفصحى هي دعامة كبرى لوحدة الكيان العالم العربي والإسلامي وفيه أيضا خدمة لمقوماته الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية، وإن اختيار الفصحى في جميع مراحل التعليم فيه إنصاف لواقـع العالم العربي الذي ينتظـم تحت إطـار واحد من العقيدة والدين واللغة والثقافة والتاريخ والموقـع الجغرافي والمصير بصفة عامة، وإن في تقديم العامية في التعليم أو العمل لنشرها مجـانبة للصواب ومخالفة للواقـع المحسوس، وأضف إلى ذلك أن اللغة العربية الفصحى إنما هي همزة الوصل ونقطـة الالتقاء بين أبناء العالم العربي وبين مئات الملايين من المسلمين في البلدان غير العربية بصفة كونها لغة القرآن ولغة العبادات ولغة العلوم الإسلامية.
طريقة اختيار الفصحى ونوعيتهـا:
وخلاصة ما تقدم وجوب الإصرار على تعليم اللغة العربية الفصحى لغير الناطقين بها بهدف الوصول إلى صيغة لغوية موحدة وعامة في الإطار العربي العام بحيث تنتظم الخواص العربية الأصلية المشتركة وتخلو بقدر الإمكان من الاختلافات المحلية الخاصة ببلد عربي دون الآخر سواء في المنطق أو اللهجات أو المفردات أو التراكيب ذات السمات المحلية.
ومن المعروف أن اللغة الفصحى أيضا في جميع لغات العالم، ذات أنماط وأشكال متنوعة من الأساليب وصور التعبير، باختلاف العوامل والظروف المحيطة بها من بعد الفترة الزمنية وأسباب النموّ والتطور، ومن هنا يقال: بتجاوز في التعبير، أن هناك نوعين من الفصحى: أما أولهما ف
المزيد