جريدة

 مركز الفارابي


جهود المستشرقين في نشر التراث العربي

كتبهاfehr shaker ، في 3 أكتوبر 2007 الساعة: 09:13 ص

جهود المستشرقين في نشر التراث العربي ….كراتشكوفسكي نموذجا
 
بقلم : محمد محمود الطناحي
مدرس الحضارة العربية بمعهد العلاقات الدوليةبجامعة شيفشينكو بكييف
   
  بدأ اتصال الغرب بالحضارة العربية ، اتصالاً فعلياً ومؤثراً منذ بزوغ النهضة الأوربية في القرن العاشر الميلادي - أو قبله بقليل - وظهرت آنذاك طلائع المستشرقين ، وهم طائفة من علماء الغرب – أكثرهم من الرهبان – اهتموا بالتراث العربي، وقد عرفوه من عرب الأندلس ومصر والشام ، وأقبلوا على دارسته ، وكان اهتمامهم في أول الأمر متوجهاً إلى علوم الحكمة والفلسفة والجبر والحساب والفلك  والطب والكيمياء والبصريات ، ثم أفضى بهم ذلك إلى فروع التراث العربي الأخرى .
      ومن أوائل علمائهم في تلك الحقبة ، راهب فرنسي يدعى جرير دى أورالياك - المولود عام 938 م والمتوفى عام 1003 م - وقد قصد الأندلس ، وتعلم على أيدي أساتذتها فى مدارس ريبول وأشبيلية وقرطبة حتى أصبح أوسع علماء عصره باللغة العربية  والرياضيات والفلك ، ولما رحل إلى روما تفوق على أقرانه وانتخب حبراً أعظم  باسم سلفستر الثاني ، فكان أول بابا فرنسي ، وقد أمر بإنشاء مدرستين عربيتين ، الأولى في روما مقر خلافته والثانية فى رايمس – شمال فرنسا – وطنه ، ثم أضيفت إليها مدرسة شارتر . وقيـل : إنه أول من صنـع ساعـة متحركة ، ونشر الأعداد العربية في أوروبا ، التي كان ينقصها رقم الصفر ، وترجم بعض الكتب الرياضية، وله دراسة عن كتاب إقليدس.
      ومن المستشرقين أدرلر أوف باث - المولود عام 1070 م والمتوفى عام 1135م - وهو راهب أيضا ، طلب العلم في الأندلس وصقلية ومصر ولبنان والقدس وإنطاكية واليونان ، وجمع معارف في علوم الطبيعة والفلك والرياضيات . وعند عودته إلى إنجلترا عين معلماً للأمير هنري - الذي أصبح فيما بعد الملك هنري الثاني - واشتهر هذا الراهب باختباره سرعة الضوء والصوت ، وتضلعه من ثقافة العرب ، الذين آثر مذهبهم في العلم على مذهب الفرنجة ، فقال في كتابه المسائل الطبيعية - وهو محاورة بينه وبين ابن أخيه - خريج جامعات الفرنجة : " إنني – وقائدي هو العقل – قد تعلمت من أساتذتي العرب ، غير الذي تعلمته أنت ، فبهرتك مظاهر السلطة ، بحيث وضعت في عنقك لجاما تقاد به قياد الإنسان الحيوانات الضارية ، ولا تدرى لماذا ؟ ولا إلى أين ؟ ، فقد منح الإنسان العقل لكي يفصل بين الحق وبين الباطل ، فعلينا بالعقل أولا ، فإذا اهتدينا إليه – لا قبل ذلك – بحثنا في السلطة ، فإن وافقت العقل قبلناها وإلا !! " .
       وآثار هذا الراهب كثيرة ، منها ترجمات لاتينية وفيرة ، في الفلك والرياضيات ،  وترجم بمعاونة يوحنا الأشبيلى  أربعة كتب لأبى معشر البلخى . وله كتاب العلوم عند العرب وقد طبع هذا الكتاب بعد سنة 1472م .
     ومن أشهر فلاسفة تلك الحقبة ، الذين أفادوا من تراث العرب ، في الحكمة والفلسفة الراهب توما الكوينى - المولود عام 1225م والمتوفى عام 1274م - ، وهو من أسرة ألمانية شريفة ، وله حول آراء ابن رشد مواقف كثيرة  يعرفها المشتغلون بالفلسفة ، وقد طبع من مؤلفاته عشرة آلاف صفحة ، اعترف فيها صراحة باقتباسه عن ابن سينا ، والغزالي وابن رشد وابن ميمون وغيرهم من علماء العرب ومفكريهم .
     وتمثل أعمال هؤلاء الرهبان قيمة كبرى في تاريخ العلوم ، حيث إن بعض ما ترجموه عن العرب في الفلسفة والطب والرياضيات والفلك قد ضاعت أصوله العربية وسلمت ترجماته اللاتينية .
     ولم تقف جهود المستشرقين عند حدود نشر النصوص فقط ، بل انصرفوا إلى دراسة التراث العربي ، في فنونه وأطواره المختلفة ، وأثره وتأثيره ، ومقارنته بغيره ، ورصدوا لذلك الجوائز القيمة ، وأنشأوا لتحقيق تلك الغاية مجلات خاصة ، من أشهرها : (مجلة الجمعية الملكية الآسيوية ) ، التي أسسها المستشرقون الإنجليز بلندن سنة 1823م ، و(المجلة الشرقية الألمانية) ، التي تأسست سنة 1847 م ، وهى التي يرمز لها بالحروف : (ZMG) . ثم عقدوا المؤتمرات التي تبحث شؤون التراث العربي ، وشارك فيها كثير من العلماء العرب والمسلمين ، وأنشأوا دوائر المعارف الإسلامية ، وأقاموا المكتبات التي تهتم بجمع المخطوطات العربية وصيانتها . ومن أشهر هذه المكتبات : (المكتبة الأهلية بباريس) ، أو (مكتبة باريس الوطنية) : المؤسسة عام 1654م , و(مكتبة المتحف البريطاني) ، التي تأسست بلندن عام 1753م . وهاتان المكتبتان من أغنى مكتبات أوروبا بالمخطوطات . و(مكتبة جامعة ليدن) ، وفيها قدر كبير من نفائس المخطوطات , و(مكتبات برلين) و(الفاتيكان) و( ليننجراد) و(الاسكوريال) و(كمبردج) .
     وقد نقل المستشرقون الاهتمام بالتراث العربي إلى داخل الجامعات ، فأنشأوا بها أقساما للغات الشرقية والأدب العربي - كما في جامعات السوربون بفرنسا وأكسفورد وكمبريدج بإنجلترا وليدن بهولندا - وقد عمل في هذه الجامعات بعض الأساتذة العرب ، مثل الشيخ حسن توفيق العدل الذي تعلم بالأزهر ودار العلوم . وكان معلماً للغة العربية في المدرسة الشرقية ببرلين مدة خمس سنوات . واختير أستاذاً للعربية في كمبردج بإنجلترا ، سنة 1903 م ، وصار من أعضاء الجمعية الآسيوية الملكية بلندن ، ولم يكن فيها أجنبي عن الإنجليز غيره . وتوفى هناك عام 1322 هـ = 1904م ، ثم نقل إلى مصر .
     ومن عجيب ما يذكر هنا أنهم قد ابتكروا في هذه الأقسام التي تعنى بالتراث العربي وظيفة ( قارئ نصوص ) بجانب الأساتذة والمحاضرين .
ومن أشهر المستشرقين الأوروبيين : الروسي كراتشكوفسكى ( 1883– 1951م) , والألماني كارل بروكلمان ( 1868 – 1956م) ، والهولندي دى خوزيه ( 1836 – 1909م) ، والأسبانى آسيف بالاثيوس ( 1871 – 1944م)  ، والإنجليزي فريتس كرنكو (1758 – 1838م) ، والإيطالي جريفينى ( 1878 – 1925م) .
 
  كراتشكوفسكى ( نموذجا ) :
     ولد كراتشكوفسكى فى مدينة فيلنا ، وانتقل أبوه – وكان مديراً لمعهد المعلمين بها – إلى طشقند ، وعمره سنتان ، فكان أول ما رأته عيناه  المساجد والأسواق الشرقية ، ثم عاد إلى مسقط رأسه مدينة فيلنا ، حيث عين أبوه مديراً للمكتبة العامة ورئيسا للجنة الآثار . وقد درس فى كلية اللغات الشرقية ، بجامعة بطرسبورج ( ليننجراد ) ، وفى تلك الكلية تعرف إلى كثير من علماء الشرق ، ومنهم الشيخ محمد عياد الطنطاوى المصري ، الذي أشار إليه في كثير من مصنفاته ورسائله , وبعض الأساتذة اللبنانيين مثل فضل الله صروف ورزق الله حسون ، وأنطون خشاب .
     وبعد أن درس اللغة العربية وغيرها من اللغات الشرقية أرسل في بعثة علمية للتوسع في دراسة العربية والتزود من المخطوطات ، فأقام عامين (1908 – 1910م) في سوريا ولبنان وفلسطين ومصر , فزار المعاهد والمكتبات ، والتقى بالعلماء ، وعاد من كل ذلك بعلم غزير ، ذكره وأشاد به في كل ما كتب بعد ذلك . وألف حول هذا الموضوع كتابا ترجم إلى العربية باسم :( مع المخطوطات العربية : صفحات الذكريات عن الكتب والناس ) ؛ تحدث فيه عن إقامته فى البلدان العربية ، وعن المخطـوطات النـادرة التي قرأها واستنسخها ، وعن دور الكتب لعربية ، وعن الشخصيات العربية التي تعرف إليها - وبخاصة أستاذه المصري الشيخ محمد عياد الطنطاوى - ثم تحدث عن إنتاجه العلمي ، وعن روافـده الفكرية . وهو كتاب طريف جدا كتبه سنة 1943 م بالروسية ، ونشرته مترجما إلى العربية دار التقدم بموسكو عام 1963م .
 
     وقد انتخبه المجمع العلمي العربي بدمشق عضواً مراسلا سنة 1923م . واهتم كراتشكوفسكى بالأدب العربي - قديمة وحديثه - اهتماما بالغا ، وكتب في ذلك دراسات غزيرة جدا ، ويقول في ذلك عندما ترجم لنفسه  بقلمه العربي  سنة 1927 م : " أما مؤلفاتي العلمية ، التي بدأت بكتابتها من سنة 1904 م ، فجلها – إن لم أقل كلها –  في آداب العرب ، من بحث وترجمة ، وشرح ونقد ، وكتاب ومقالة ، ومحاضرة ، وملاحظة ، وعددها يربو على المائتين ، وقد طبع فهرسها ، سنة 1921م " .
      وهذا إحصاء مؤلفاته إلى ذلك التاريخ ، فما الذي جاء بعـد ذلك؟؟؟ ، وقد توفى سنة 1951 م . ويذكر الأستاذ نجيب العقيقي أن آثاره تزيد عن أربعمائة وخمسين أثراً ما بين مصنف ومترجم ومفسر ونقد ورسالة .
      ومن النصوص التي نشرها : (الأخبار الطوال ، لأبى حنيفة الدينورى 1912م) ، وكان قد بدأ العمل فيه أستاذه المستشرق الروسي جرجاس ، ولكنه توفى قبل إتمام طبع الكتاب سنة 1908م , فقام تلميذه كراتشكوفسكى بإتمام عمل أستاذه ، و( ديوان الوأواء الدمشقي مع ترجمته إلى الروسية 1914م ) ، و( البديع في نقد الشعر لعبد الله بن المعتز 1935م ) .
 
      ومن أهم دراساته كتابه : (تاريخ الأدب الجغرافي العربي) ، وقد ترجمه إلى العربية ، ترجمة جيدة الأستاذ صلاح الدين عثمان هاشم ، ونشرته الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية ،في جزأين بالقاهـرة ، في مطبعة لجنة التأليـف والترجمة والنشر 1963 – 1965م .
 وقد كتب كراتشكوفسكى عن المخطوطات قائلاً :
      " إن المخطوطات تقرب بين الناس . والتعرف بها يشبه الغوص في أعمال الطبيعة أو فهم الفن وتمثله . وهى بهذا توسع أفق الإنسان وتشرف كل حياته وتجعل منه عضوا في الحركة الإنسانية العظيمة في طريقها الثقافي ، فالمخطوطات إذن كالطبيعة وكالفن يجب أن تكون ثروة لكل الناس الذين يفهمونها ويحسونها ويجب أن تكون مفتوحة أمام كل العلماء ، فعلى الناس الذين وهبهم القدر - مؤقتاً وفى حدود حياتهم - أن يكونوا أصحاباً أو خزانا للمخطوطات ألا ينسوا هذا ، وعليهم أيضاً ألا يصبح مثلهم مثل الفارس البخيل . وإنه لمن المحزن أن نرى كيف أن النزعة الشريرة في الطبيعة الإنسانية تجعل المخطوطات أحياناً سببا للشقاق ، وكيف تقوم حواجز بين البشر أو تغدو حتى أدوات للمضايقة , وفى هذه الحالة فإن قدر العالم قد يسوقه على غير انتظار إلى مواجهة ابتلاءات صعبة ، لكن مع الإدارة الخيرة يمكن التغلب على كل هذه الابتلاءات ، وعلينا أن نذكر دائما أننا كأفراد لسنا إلا ضيوفاً على هذه الأرض ، أما العلم فدائم وخالد ولا بد من التفكير لا بأنفسنا بل في حركة العلم إلى الأمام ، ولــيس مهما لها دائما من هو بالذات الذي أسهم بقسط في تقويتها ؟" .
*          *          *
بقلم : محمد محمود الطناحي
مدرس الحضارة العربية بمعهد العلاقات الدولية بجامعة شيفشينكو بكييف
 
المراجع
1-  كتاب مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي , تأليف الدكتور محمود محمد الطناحي , القاهرة , مصر , 1986
2-  كتاب مع المخطوطات العربية : صفحات الذكريات عن الكتب والناس , تأليف المستشرق الروسي كراتشكوفسكي
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر